January 13th, 2008
التطور وتلوث البحار
التطور وتلوث البحار تفيد التقديرات التمهيدية أن مستوى مردود البحار والمحيطات والخلجان البيولوجي قد هبط خلال العقود الأخيرة بأكثر من 25 مليون طن من الكتلة البيولوجية. وهذا يرجع أساساً إلى التلوث الذي تسببه الأنشطة الصناعية الحديثة، فالملوثات الكيميائية والشعاعية والبيولوجية والحرارية، إضافة إلى الأمطار الحامضية ونشاط المجمعات الصناعية العسكرية الحربية والحروب بما تطلقه من مخلفات نووية وكيميائية وجرثومية وغيرها، تؤدي إلى الإخلال بالتوازن البيئي والطبيعي القائم، وهو ما ينعكس وبالاً على المحيط المائي العالمي. لقد أصبحت المياه في مناطق وجود الأسماك في الجرف القاري مضطربة وصاخبة وملوَّثة جداً. وفي حين تؤمن البحار والمحيطات ما نسبته 90% من بخار الماء الموجود في الجو، يؤثر تلوث المياه المتزايد تأثيراً خطيراً ومفجعاً على التوازن الحراري وعملية تبخر مياه البحار، لأن أرق طبقة من النفط تقلل التبخر بنسبة 60%، وبالتالي تقل نسبة الأمطار. ونتيجة للتفاوت الحراري الحاصل تتكون تيارات هوائية في الجو وتزداد إمكانية تكون الأعاصير. إن التزايد السنوي في إنتاج المخلفات الصناعية السامة والخطيرة بيئياً يهدد في كثير من بلدان العالم بالقضاء على جميع الحياة البيولوجية. فعلى سبيل المثال، طرح مجمع ZM الكيميائي الأمريكي حتى عام 1975 أكثر من 220 ألف طن من الغازات العادمة، ونحو 580 ألف طن من المواد الصلبة واللزجة، و26 ألف طن من ملوثات المياه السامة إضافة إلى نحو 7 ملايين طن من المياه الصناعية. وكذلك في أوربا، القطب الصناعي الأكثر قدماً، فإن تسمم البيئة وموت العديد من البحار والأنهار يصل الآن إلى حد الكارثة، كما في نهر الراين وهامبورغ ورينلاند وبفالتس. وفي جنوب القارة يزداد التلوث بفعل التصنيع المتزايد على نحو يهدد بتحويل البحر المتوسط إلى بحيرة ميتة. فعلى سبيل المثال، تحمل مياه نهر بو الإيطالي إلى البحر المتوسط كل سنة نحو 60 ألف طن من النترات، و13 ألف طن من مختلف مركبات الأمونياك، و7 آلاف طن من الفوسفات، ونحو 10 آلاف طن من النفط، ومئات الأطنان من المعادن السامة كالرصاص والتوتياء والكروم والزرنيخ، إضافة إلى نحو 65 طناً من الزئبق. إن تلوث مياه البحر المتوسط، الذي تتجدد مياهه مرة واحدة كل 75 عاماً، يجري بصورة سريعة، كما أن التأثيرات الموجية المختلفة تؤثر على توزيع المواد الملوِّثة وتشتتها في مياه البحر، وتكون شدة التلوث مرتبطة بحركات المد والجزر المنتظمة وباتجاه الرياح وبفصل السنة، إذ تتجه المياه السطحية صيفاً نحو الشواطئ جارفة معها ما تجمعه من ملوثات صلبة وسائلة ومعدنية وعضوية وبكتيرية ونفطية. وهناك أمثلة عديدة عن البحار لا مجال لذكرها كلها، ولكنها تبيِّن أن البحار موجودة في مراحل التلوث البيئي الثلاث (العضوي والكيميائي والنووي). وعملياً يمكن العثور على آثار التلوث في كل قطرة من مياه البحار والمحيطات بدءاً من القطب الشمالي وصولاً إلى الجنوبي. وتترسب الملوثات في أجسام الأحياء البحرية على شكل نظائر صناعية مشعة، أو على شكل مواد من فصيلة (د. د. ت.) أو بهيئة معادن ثقيلة وغيرها من النفايات، وقد تتغطى هذه الأحياء بالنفط والمنتجات النفطية. والنفط من أخطر الملوثات، إذ تؤدي طبقاته المتكونة على سطح المياه إلى منع وصول الأكسجين لأعماق البحار والمحيطات. ويُطرح من النفط ومن مشتقاته في بحار كوكبنا نحو خمسة ملايين طن سنوياً رغم العقوبات الصارمة التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية بحق ملوثي البحار والمحيطات، فغالباً ما ينجح هؤلاء الملوثون في الإفلات من القصاص. ومن الصعب حالياً لدى اكتشاف بقعة نفطية كبيرة عائمة على وجه الماء تحديد المسؤول عن نشوئها. توجد النسبة القصوى من المواد الضارة على سطح المياه وفي المياه الساحلية، وهي المناطق الأكثر كثافة بالأحياء البحرية. واستمرارية الأمر على هذه الشاكلة سيغير تركيبة البيئة البحرية كيميائياً، وهي التركيبة التي تكونت قبل ملايين السنين وتكيفت معها الأحياء المائية. وسيصبح هذا التغير أمراً لا رجعة عنه، مما سيؤدي إلى نتائج يصعب التنبؤ بعواقبها. والسؤال: هل يمكن الحيلولة دون تلوث مياه البحار والمحيطات؟ طبعاً، إن الجانب العملي من المسألة واضح كل الوضوح، فهو يتطلب ما يلي: - تطبيق تكنولوجيا تصفية مياه الصناعة. - إقامة صناعات تستخدم المياه في دائرة مغلقة، وهذا يعني الاستغلال الأمثل لموارد المياه عن طريق استخدام المنظومات الحلقية والتكرارية. - السعي قدر الإمكان إلى عدم تلويث المياه، فهذا هو أفضل سبيل للحفاظ على نقاوتها. إن من غير الواقعي التطلع إلى أن تكون مياه البحر نقية نقاءً مطلقاً، إذ ليس ثمة طريق إلى ذلك، وكل تلوث يكون مسموحاً به إذا لم يتجاوز حداً معيناً يلحق الضرر بالإنسان أو بالأحياء المائية. ولكن أين يقع هذا الحد الفاصل؟ إنه يتمثل في ما يلي: - تصميم منشآت التصفية. - مراقبة وضع مياه البحار والمحيطات. - القيام بتوليد أحياء بحرية مخبرية تتميز بردات فعل سريعة على تلوث البيئة، وهذه الأحياء كائنات مجهرية وقواقع وبيوض أسماك وطحالب أحادية الخلية، وهي جميعها تستجيب مباشرة لنوع مياه منشآت التصفية. وتساعد الأحياء المجهرية على إجراء تجارب تحدد نسبة السموم في المواد المخصصة لإزالة طبقة الزيت من سطح مياه البحار. وفيما يخص النفط ومشتقاته، يوجد في جعبة الباحثين أكثر من مئة نوع من مواد الاختبار، وجزيئات هذه المواد قابلة للتفلور بسطوع تحت المجهر في بقع النفط الموسومة بها، وهذا يعني أنه يمكن تزويد أكثر من مئة جهة ناقلة للنفط عبر البحار بهذا الوسم الشخصي، مما سيمكن من تحديد المتسبب في التلوث الناجم عن المواد النفطية، وتتميز هذه المواد بأنها لا تتحلل بتأثير درجات الحرارة العالية، كما أنها لا تتأثر بالحموض والأسس، وهذا ما يسمح باستخدامها لمراقبة مصارف المياه الصناعية. إن التقدم التكنيكي بعيد كل البعد عن أن يكون على علاقة جيدة بالبيئة، وبلوغ التناسق في العلاقة بينهما هو من مهام العلماء، ويتطلب ذلك مراقبة صارمة وحرصاً على علاقة سليمة بالطبيعة.
البيئه والطبيعه